الجاحظ

119

البخلاء

لا يعرف ، فقد وضعها في مواضع الغرر « 1 » وعلى أعظم الخطر . وقد صار في معنى المودع ، وصار المكتري في موضع المودع . ثم ليست الخيانة وسوء الولاية إلى شيء من الودائع أسرع منها الدور . وأيضا أن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمّة ففوّضوا إليه النفقة وأن يكون ذلك محسوبا عند الأهلَّة ، الذي يشفّف في البناء « 2 » ويزيد في الحساب . فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم وهم خيارهم . وأنتم أيضا ربما أكريتم « 3 » مستغلات غيركم ، بأكثر مما أكتريتموها منه . فسيروا فينا كسيرتكم فيهم ، وأعطونا من أنفسكم مثل ما تريدونه منهم . وربما بنيتم في الأرض ، فإذا صار البناء بنيانكم ( وإن كانت الأرض لغيركم ) ادّعيتم الشركة ، وجعلتموه كالإجارة ، وحتى تصيّروه كتلاد مال أو مورّث سلف . وجرم آخر ، هو أنكم أهلكتم أصول أموالنا ، وأخربتم غلاتنا ، وحططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا ومستغلاتنا ، حتى غلات الدور من أعين المياسير « 4 » وأهل الثروة ، ومن أعين العوّام والحشوة ، وحتى تدافعوكم بكل حيلة ، وصرّفوا أموالهم في كل وجه ، وحتى قال عبيد اللَّه بن الحسن « 5 » قولا أرسله مثلا ، وعاد علينا حجة وضررا . وذلك أنه قال : « غلة الدار مسكة وغلة النخل كفاف « 6 » ، وإنما الغلة غلة الزرع والنّسولتين « 7 » » . وإنما جرّ ذلك علينا حسن اقتضائنا ، وصبرنا على سوء قضائكم . وأنتم تقطعونها علينا وهي عليكم مجملة ، وتلووننا بها وهي عليكم حالَّة . فصارت كذلك غلَّات الدور ( وإن كانت أكثر ثمنا

--> « 1 » الغرر : الخطر - الخوف . « 2 » يشفّف : يقلَّل . « 3 » أكريتم : أخذتم أجرة المستأجر . « 4 » المياسير : أهل الثروة الموسرين . « 5 » هو عبيد اللَّه بن الحسن العنبري ، قاض فصيح ، خطيب . « 6 » كفاف : ما كان بقدر الحاجة . مسكة : ما يمسك الرمق . « 7 » النسولتين : ما يقتنى للنسل .